قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد - صلى الله عليه وسلم - في آيتين أعلمه فيهما رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة 144] , وقال في الآية الأخرى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 5] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع ما يهواه ويتمنّاه, وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام سألوا وطلبوا رضى مولاهم, وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لما أنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب 51] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك", وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... } الآية [آل عمران: 159] وكان رقيق القلب, وأمر الله تعالى موسى - عليه السلام - بالملاينة لفرعون لما كان فيه من الفظاظة والغلظة وقال له ولأخيه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه 44] , وذكر عن محمّد - صلى الله عليه وسلم - الملاينة والرأفة وأمره بضدّها فقال: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة 73] وإنّ لكلّ مقام مقالاً, والذي اشتهر من حال موسى عليه الصلاة والسلام الحدّة وقلة التماسك عند ورود الملمات عليه كما فعل في إلقاء الألواح وفي أخذه برأس أخيه ولحيته وجرّه إليه, وروى زيد بن (أسلم) عن أبيه:"أن موسى - عليه السلام - كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً"من شدّة غضبه ذكره الثعلبي, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بُولغ في أذاه وفي خِلافه وعداوته حتى ألقوا على ظهره السَّلا والفرث والدّم وهو ساجد, وضربوه حتّى أدموه إلى غير ذلك من أصناف الأذى فعلاً وقولاً, فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» , فكان عاقبة الصّبر النصر, وأثنى الله تعالى عليه - صلى الله عليه وسلم - في سَعَةِ خُلقه وحسن سيرته وجميل صبره فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ؛ وأما شوقهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى ربّه تعالى ولقائه فإنّه حين جاءه نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وأكمل له الدّين وأتم عليه النعمة, وكان العيش عند ذلك مطلوباً وطول البقاء في الدنيا محبوباً مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه, فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول: «الرفيق الأعلى» (حتى) قُبض - صلى الله عليه وسلم - , وموسى عليه