وأعجب من هذا أو أبلغ أنه كان حين بُعث لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله, وقال: «كان حجر بمكة يسلّم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن»
ونحوه تسبيح الحصى في يديه, وتسبيح الطعام وهو يؤكل عنده وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا بابٌ واسع.
وأما ضرب موسى - عليه السلام - بالحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً وهم في التيه فليس بأعجب من أنّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر فأعوز القوم من الماء فدعا بقدح فجعل أصابعه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى روي القوم أجمعون, وخروج الماء من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} [البقرة 74] .
وأما من بين الأصابع فلا يعهده أحد لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو أعظم وأعجب, وذلك ما روى عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال:"كُنّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبّ فيها, (ثم مجّ فيها) , وتكلم بما شاء الله أن يتكلم, ثم أدخل خنصره فيها, فَأُقسِمُ بالله لقد رأيت أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتفجَّر ينابيع الماء, ثم أمر الناس فسَقوا وشربوا وملأوا قِربهم وإداواتهم", والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة معلومة في كتب الصّحاح والسنن والسِّير وغير ذلك.
فإن قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام انفلق له البحر لما ضربه بعصاه فجازه هو وأصحابه لما تبعهم فرعون وجنوده, قيل: لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أعجب من ذلك فإنه لم يحتج إلى عبور البحر بل بعض أصحابه قال:"والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها", ولم يشترطوا انفلاق البحر وهم صادقون فيما قالوا وقد حقّق هذا الفعل بعض أصحابه في حياته وبعد موته وهو العلاء بن الحضرميّ - رضي الله عنه - لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب, وذلك ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال:"لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه"