كونه آكد هُوَ أن فيه تقديمًا وفيه تأكيدًا وتقديمًا مع الضَّمير وهو آكد من الأول وتقديمًا مع
الفاء وهو أوكد من الثاني وتقديمًا مع نحو الضَّمير والفاء إيَّايَ فَارْهَبُون وهو أوكد من
الباقي فعلم منه أنه لو قال الْمُصَنّف وهو أكد من وَرَبَّكَ فَكَبّرْ لكان أتم بيانًا وأكمل نفعًا فإن
فيه صورًا أربعًا كما عرف وهذا آكد من الصورة الثالثة، وما ذكره المصنف الصورة الأولى
فيوهم أن هذا آكد منها دون ما عداها.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
الطريقين أعني دخول الفاء وتكرير الْإثْبَات بأن يجعل الْفعْل مشغولًا بالضَّمير نحو زيدًا فاضربه، وعليه
قَوْلُه تَعَالَى: (وإياي فاعبدون) (وإيَّايَ فَارْهَبُون) ويَنْبَغي أن يكون
أوكد من الأول ووجهه عَلَى قانون تقرير صاحب الكَشَّاف وما يكن من شيء فإياي ارهبوا ارهبوني
فتكرير التعليق تأكيد للاخْتصَاص، وتعليقه بالشرط العام الذي هُوَ وقوع شيء ما تأكيد عَلَى تأكيد، وهذا
تقرير واضح موضح للمقصود ثم قال إن منها مباحث الأول (إيَّايَ فَارْهَبُون) لا
يصلح أن يجعل من باب الإضمار عَلَى شريطة التَّفْسير مثال زيدًا رهبته؛ لأن الْفعْل المشغول بالضَّمير
لا يصلح ناصبًا لهذا الاسم عَلَى تقدير التسليط لامتناع توسط الفاء بين الْمَفْعُول والْفعْل فيَنْبَغي أن
يحمل عَلَى أنه مثله في كون الاسم منصوبًا بفعل مضمر يدل عليه الْمَذْكُور، كما في باب الإضمار
والْجَوَاب أنه منقوض بمثل (وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) وهو كثير في الْكَلَام من غير خلاف في أن
المنصوب مَفْعُول الفعل، وسره أن الفاء بالْحَقيقَة داخلة في الاسم أي ما يكن فربك كبّر وإنما زحلقت
إلى الْفعْل ليقع الاسم في مَوْضع الشرط كما في أما زيدًا فاضرب؛ ولهذا اتفقوا عَلَى أن في مثل
(الزَّانيَةُ وَالزَّاني فَاجْلدُوا كُلَّ وَاحدٍ منْهُمَا) لولا اتفاق القراء عَلَى الرفع لكان من صور
الإضمار عَلَى شريطة التَّفْسير التي يختار فيها النصب الثاني أنه لا وجه لجعل الفاء جزائية مع ظهور
كونها عاطفة عَلَى ما صرح به صاحب المفتاح، ولا يقدح في ذلك اجتماعها مع الواو العاطفة لأن الواو
لعطف الْمَحْذُوف عَلَى الْكَلَام السابق مثل (أَوْفُوا بعَهْدي) والفاء لعطف الْمَذْكُور عَلَى
ذلك الْمَحْذُوف ووجه التغاير حِينَئِذٍ الواجب بين عطف شيء عَلَى شيء هُوَ أن مدلول الْكَلَام ارهبوني
رهبة بعد رهبة كما ذكر في قَوْله تَعَالَى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) أي
كذبوه تَكْذيبًا بعد تَكْذيب، فالرهبة المُسْتَفَادة من فارهبوني بعد الرهبة المُسْتَفَادة من إياي ارهبوا
فيتغايران أو يقال إما الأول طريق الاخْتصَاص والثاني بدونه أو أن الثاني لقصد التَّفْسير بخلاف الأول
ومرتبة المفسر أن يقع بعد ما يقصد تفسيره، وأنت خبير بأن هذا كله ذهاب عن قصد السبيل؛ إذ ليس
معنى (إيَّايَ فَارْهَبُون) عَلَى تعدد الرهبة ولو كان فمثله ليس من تأكيد الاخْتصَاص في شيء واجتماع
حرفي العطف في مثل (وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) لازم، فالأوجه أن يقال لا وجه لجعل الفاء عاطفة
مفتقرة إلَى تعسفات كثيرة مع ظهور الجزائية الموافقة لمقصود الْكَلَام ونقل الثقات. نعم لما حذف
الواقع موقع الْجَزَاء حَقيقَة الْجَزَاء زحلقت الفاء إلَى الْمَذْكُور المفسر له تحقيقًا للمطابقة ودلالة عَلَى
الجزائية، وإقامة للمذكور مقام ما لزم حذفه فإنه كان بعد الفاء. الثالث أن تأخّر الْفعْل في مثل(بل الله
فاعبد) (وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) ظَاهر وفي مثل زيدًا رهبته مفوض إلَى قرينة المقام
وأما مثل (وإيَّايَ فَارْهَبُون) (وإياي فاعبدون) ونحو ذلك مما دخلت الفاء في المفسر فيقدر مؤخرًا
ألبتة ليقع الاسم موقع الشرط ويكون (وإيَّايَ فَارْهَبُون) بمنزلة (وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) ثم زحلقت الفاء بعد
حذف الْفعْل إلَى المفسر؛ ولأن فيه دلالة عَلَى الاخْتصَاص ألبتة حيث جعلت رهبة لازمة لمطلق الرهبة
بأن قدر إنْ كُنْتُمْ ترهبون شَيْئًا وإياي ارهبوا وكذا سائر الأمثلة.