الشرب والأمران هنا يراد بهما الْمَعْنَى الشامل للمباح والفرض(وقيل الماء وحده لأنه
يشرب ويؤكل ما ينبت به)وهذا مقتضى الْكَلَام لعدم التعرض للمن والسلوى في هذه
القصة، وجعل الماء مما يؤكل بالنظر إلَى ما ينبت منه، وهذا تكلف لا داعي له؛ إذ القصة من
أولها إلَى آخرها قصة واحدة فما المانع من اعتبار الْمَنّ وَالسَّلْوَى [وجعل] الأكل عَلَى الْحَقيقَة
وأما الْقَوْل بأنه إذا أريد بالرزق الماء وحده يلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز، ولا يدفع
يكون من للابتداء لأن ابتداء الأكل ليس من الماء بل ما ينبت منه فليس بوارد عَلَى المص
لأن هذا الجمع جائز في مذهبه، وإنَّمَا يرد عَلَى الزَّمَخْشَريّ لأنه لكونه حنفيًا لا يجوز عنده
الجمع بين الْحَقيقَة والمجاز، وإنما التفصي عن ذلك الحمل عَلَى عموم المجاز. والْمَعْنَى ح
كلوا واشربوا مما يطلق عليه لفظ الرزق فيتناول الماء ومما ينبت منه، فلا حاجة إلَى الْجَوَاب
بأن من لا يتعلق بالفعلين جَميعًا، وإنما هُوَ عَلَى الحذف أي كلوا من رزق الله واشربوا من
رزق الله فلا جمع فإنه التزام حذف كثير بلا داع وعموم الْمَجَاز مما اتفق عليه الفريقان. نعم
يمكن أن يقال: إنه مرضه لأنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء عَلَى ما دل عليه
ما بعده وهو قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحدٍ)
الآية. والْقَوْل بأن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان ضعيف؛ لأنه وإن سلم كون
ذلك الماء مشبعًا أَيْضًا مع أن رواية كون الماء مشبعًا ليست بثابتة ولو كوثرًا لا يطلق عليه
الأكل لأنه إيصال الجوف ما من شأنه أن يمصغ والماء ليس كَذَلكَ، وَأَيْضًا لو كان كَذَلكَ لما
احتيج إلَى إنزال الْمَنّ وَالسَّلْوَى، والاحتمال العقلي جار في الْمَنّ وَالسَّلْوَى فإنهما كما
يرويان العطشان يشبعان الجوعان عَلَى طريق خرق العادة، فما هُوَ جواب القائل فهو جوابنا
وفي قوله: (ما رزقهم الله) تنبيه عَلَى أن الرزق ليس بمصدر بل بمعنى
المرزوق والعائد مَحْذُوف أي ما رزقهم إنه.
قوله: (لا تعتدوا حال إفسادكم) أَشَارَ إلَى أن العثو كالاعتداء والإفصاء إلَى الفساد
ليس بداخل في مفهومه وضعًا. نقل الإمام الرَّاغب عن بعض المحققين أن العثي ليس
بموضوع للفساد بل هُوَ كالاعتداء في أن معناه مجاوزة الحد مُطْلَقًا فسادًا كان أو لا، ثم
غلب في الفساد انتهى. وكفى بالرَّاغب قدوة في مثل هذا المرام، ومن وهم أن هذا مخالف
لما فهم من كتب اللغة من اخْتصَاص العثى بالفساد بحَيْثُ لا يستعمل في غيره لا غالبا ولا
نادرًا فقد وهم، والمص حمله عَلَى الاعتداء بقرينة ذكر مفسدين فإنه لو حمل عَلَى ما هو
الغالب وهو الإفساد تكون الحال حالًا مؤكدة وإن مجيء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف
مذهب الْجُمْهُور، وإن جوزه صاحب الكَشَّاف ومن تبعه، والمص اختار مسلك الْجُمْهُور لأنه
هو الفصيح الْمَشْهُور ومن هذا قال: وإنَّمَا قيده.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
رزقناكم) بعد قوله (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) لم يقل منهما
لذلك أي لتعظيم السلوى وإنهما من طيبات الرزق.