قوله: (كل سبط) إشَارَة إلَى أن كلا هنا لإحاطة النوع لا لإحاطة الأفراد الشخصية
بقرينة المقام. والْمَعْنَى قد علم كل نوع وصنف من الأسباط والقصة تدل عَلَى أن المراد
بأناس ليس جميع النَّاس بل النَّاس الموجودون مع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وهم الأسباط وأيضًا
تدل ثنتا عشرة عينًا عَلَى أن الْمُرَاد نوع سبط لا كل فرد فرد. السبط هُوَ الحفيد يريد به حفدة
يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَامُ وهذا مراد من قال السبط في بَني إسْرَائيلَ كالقبيلة في العرب، وهذا
العلم حاصل لهم بتعيين مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وما مَرَّ من شذوذ إثبات همزة أناس إنما هُوَ مع
الألف واللام كالأناس [[الأمينا] ]، وأما بدونها فشائع في فصيح الكلام. والمشرب اسم مكان
ويدل عليه قول المصنف عينهم وكونه مصدرًا ميميًا بمعنى الشرب لا حاصل للعلم به، وجملة
قد علم حالية وذو الحال اثنتا عشرة، وهو كقولهم جاءني زيد والشمس طالعة فلا يحتاج إلَى
تقدير العائد ولو كان صفة لاثنتا عشرة لاحتيج إلَى تقدير العائد، وَأَيْضًا الحالية تفيد مقارنة
العلم بالمشرب للانفجار دون الصّفَة، وإفراد العين في قوله عينهم لإرادة الجنس، ولفظة منها
في منها إما للابتداء أو للتبعيض أي من بعض مائها (عينهم التي بشربون منها) .
قوله: (عَلَى تقدير الْقَوْل) أي قلنا لهم بلسان نبيهم، وأما تقدير قال لهم مُوسَى فلا
يلائم السوق إن أريد من عند نفسه.
قوله: (يريد ما رزقهم الله من الْمَنّ وَالسَّلْوَى) ناظر إلَى الأكل (وماء العيون) ناظر إلَى
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى تقدير الْقَوْل أي قلنا أو مقولًا في حقهم كلوا واشربوا.
قوله: يريد به ما رزقهم من الْمَنّ وَالسَّلْوَى يعني أن الرزق يطلق عَلَى جميع ما يعطى العبد
يقال رزق المال والولد والعلم وغير ذلك بحسن المقام، وخص هَاهُنَا بالمأكول الذي هُوَ المن
والسلوى وبالماء من المشروب بقرينة قوله (قَدْ عَلمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) . وقيل الْمُرَاد من رزق الله
الماء لأنه ينبت منه الزرع، والمشار فهو رزق يؤكل فيه ويشرب، وعلى هذا كان مقتضى الظَّاهر(كلوا
واشربوا)منه أي من المشرب لكن لما كان الماء مما لا يؤكل كان اسْتعْمَاله في المأكول مَجَازًا
وفي المشروب حَقيقَة، ويلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز فذكر الرزق الذي هُوَ أعم [ليتناولهما]
بعمومه دفعًا لذلك وكأن لفظ الرزق من وضع الظَّاهر مَوْضع المضمر، لكن مما يدل عليه اللَّفْظ قيل
وفي هذا الْقَوْل ضعف بوَجْهَيْن: أحدهما أنهم وإن كانوا يأكلون في التيه من ذرع الماء وثمره فلا
يكون ذكر ما يدل عليهما ملائمًا للمقام، والثاني أنه لو كان كَذَلكَ لما طلبوا ذلك بقولهم[(يُخْرجْ لَنَا
ممَّا تُنْبتُ الْأَرْضُ منْ بَقْلهَا)]ولا يلتئم قولهمْ (لَنْ نَصْبرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحدٍ) لا أن
يحمل من رزق الله عَلَى الْمَنّ وَالسَّلْوَى، وفيه نظر لأنه ليس الْمُرَاد إنهم كانوا يأكلون من ذلك، وإنما
الْمُرَاد أن الْمُرَاد من رزق الله الماء؛ لأن سوق الْكَلَام في هذه لبيان الماء وكونه نعمة عند العطش
لقوله تَعَالَى: (وَإذ اسْتَسْقَى مُوسَى لقَوْمه) وأما نعمة الأكل فقد ذكر قبلها بقوله
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا منْ طَيّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ)
فعلى هذا كان مقتضى الظَّاهر أن يقال اشربوا الماء ولا يذكر معه كلوا والله أعلم إشَارَة إلَى أن
الامتنان بنعمة الماء وشربه عَلَى وجه الصحة لا يتم إلا بعد الأكل، وذكر الرزق مكان الماء وضعًا
للظَاهر مَوْضع المضمر باعْتبَار أن الماء منبت الرزق تعظيمًا لأنه كما في قوله (كلوا من طيبات ما