أحدهما: أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات ، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة ، والثاني: أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان ، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه ، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فإن قيل: هذه الآية وردت فِي حق اليهود ، قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به فِي إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر.
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل ، ولنذكرها ههنا فنقول: اختلف أهل القبلة فِي وعيد أصحاب الكبائر ، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج.
ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي والخالد ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر ، والقول الثالث: أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف فِي حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً ، بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، فيشتمل هذا البحث على مسألتين.
إحداهما: فِي القطع بالوعيد ، والأخرى: فِي أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا ؟
المسألة الأولى:
في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً.
ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله.
أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة فِي هذا الباب وتلك العمومات على جهتين.