وما ذهب لهم في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثَّةً, فانقطعت, فذهب به الماء, فقال الرجل الذي يعاومه صاحبُ القدح: أصابه القدرُ - معزِّياً له - فقال: والله إنِّي لعلى طريقة ما كان الله ليَسلُبَني قدحي من بين أهل العسكر, فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي العراصَ وإذا بالقدح قد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر يعرّفه وأخذه صاحبه, وعن عمير الصائدي قال:"لما أقحم سعدٌ الناسَ في دجلة اقترنوا, فكان سلمانُ قرين سعدٍ إلى جانبه يسايره في الماء, فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم, والماء يطمُو بهم وما يَزال فرسٌ يستوي قائماً قد أعيا, تنشِزُ له تَلْعَةٌ فيستريح عليها كأنه على الأرض, فلم يكن في المدائن أمر أعجب من ذلك, ولذلك كان يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحدٌ إلا نشزت له جرثومة يُريح عليها, وقال حبيب بن صُهبان: لمّا عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظر الفُرسُ إليهم وهم يعبرون فجعلوا يقولون بالفارسية: ديوانان يعنون أنّ هؤلاء مجانين, وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا, فهذا في الفضيلة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم من الفضيلة لموسى - صلى الله عليه وسلم - في عبور البحر, فإنّ ذلك كان في صحبة موسى وأخيه هارون وهما اللذان تقدَّما القومَ, وهذا كان من أصحاب محمّد - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بمدّة, وأيضاً فإن التغرير بالنفس في خوض دجلة مع شدّة جريانها وعظم طغيانها أعظم من اقتحام البحر مع سكونه وعدم جنونه, وأيضاً فإن موسى وأصحابه إنما دخلوا البحر لما ضربه موسى - عليه السلام - بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وظهرت أرض البحر فمشوا عليها كما قال (الله) تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه 77] فلما تبعهم فرعون بجنوده أطبقه الله عليهم وأغرقهم ونجى موسى وأصحابه, وأيضاً فإنّ أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام عبروا البحر وهم مطلوبون خائفون كما قال تعالى عنهم قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء 61] "