قوله: عوان بعد قوله (لَا فَارضٌ وَلَا بكْرٌ) نفي أن يكون عجلًا أو جنينًا كذا قيل. والأولى
أن يقال إنه للتأكيد دفعًا لتوهم ارتفاع النقيضين؛ لأن البقرة لا تخلو عنهما بناء عَلَى أن البكر
يصدق عَلَى غير المسنة ولو عجْلًا، وأما الجنين فلا تتناوله البقرة فلا معنى للاحتراز عنه فلما
قيل عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ علم أن الْمُرَاد بالبكر المنفي نحو العجل الذي لا يصلح للزراعة وحمل
الأشياء عليه وكذا المسنة أُريد بها ما لا يصلح لذلك صلاحًا تامًا. والْمَعْنَى والله أعلم أنها
بقرة صالحة لما خلقت له من الحراثة والولادة وحمل الأثقال، وهذا هُوَ الْمُرَاد مما ذكر
بطَريق الْكِتَابَة والصَّلَاحية لا تقتضي الوقوع فلا ينافيه هنا سيجيء من قوله(بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ
تُثيرُ الْأَرْضَ)الآية.
قوله: (وعود هذه الكنايات) أي الضمائر في الأجوبة والسؤال بقولهم ما هي وما
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: (وعود هذه الكنايات الخ. تقرير كلامه هذا مبني عَلَى اخْتلَاف العلماء في أن البقرة
المأمور بذبحها هي المعينة الموصولة فمن قال إن الْمُرَاد بقرة ما أجاب عنه بيان الكنايات ترجع إلَى
البقرة المأمور بذبحها لا في إرادة الله تَعَالَى بل عَلَى ما ظنوها معينة فلا جرم عينت تشديدا عليهم
وحجة الآخرين أن بقرة في قَوْله تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) نكرة في
سياق الإثبات فلا تفيد الإفراد من شق البقر. أي من أفرادها غير معين. وأَيْضًا لو كان الْمُرَاد بقرة
معينة لاستحقوا المدح باستفساراتهم لكنهم عبروا بذلك بقوله (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) .
وقوله (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) وأَيْضًا الوقت الذي أُمروا بذبحها فيه كانوا محتاجين إلَى
ذبحها ولو كان المأمور بذبحها بقرة معينة ولم تتبين في ذلك الوقت كان تأخيرًا للبيان عن [وقت]
الحاجة وأنه غير جائز، والجائز تأخيره إلَى وقت الحاجة لا عنه، ومما يعضده ما روي عن ابن عبَّاس
رضي الله عنهما أنه قال:"لو ذبحوا أي بقرة أرادوا أجزأت عنهم لكنهم شددوا عَلَى أنفسهم فشدد الله"
عليهم". فثبت بهذه الدلائل الواضحة أن البقرة المأمور بذبحها بقرة مهمة فبنى عليه صاحب الكَشَّاف"
سؤاله حيث قال فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مَخْصُوصة ثم
انقلبت مَخْصُوصة بلون وصفات فذبحوا الْمَخْصُوصة فما فعل الأمر الأول. قلت رجع مَخْصُوصًا
لانتقال الحكم إلَى البقرة الْمَخْصُوصة والنسخ قبل الْفعْل جائز عَلَى أن الخطاب كان لإبهامه متناولًا
لهذه البقرة الْمَوْصُوفة كما تناول غيرها لو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التَّخْصِيص لكان
امتثالًا له فكَذَلكَ إذا وقع عليها بعد التَّخْصِيص فحاصل السؤال أن الأمر كان يذبح بقرة ما حتى أن
أي بقرة فرضت لو ذبحوها كفتهم ثم عينت فلم يكن الأمر بذبح بقرة فما بال ذلك. ومحصول
الْجَوَاب أنه كان منسوخًا لأنه لما أمرهم بذبح بقرة ما فقد خيرهم بين أفراد البقر وحين خصصها
بتلك الصفات زال حكم التخيير الثابث بالنص ولا [يعني] بالنسخ إلا رفع الحكم الشرعي عَلَى أنه
يمكن أن يقال: ليس ذلك ينسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة الْمَخْصُوصة وذبح البقرة
الْمَخْصُوصة ذبح للبقرة مُطْلَقًا فهو امتثال للأمر الأول فلا يكون نسخًا، والْمُرَاد بالتخصيص في قوله
بحكم الخطاب قيل التَّخْصِيص التَّخْصِيص النحوي لا الأصولي لأن بقرة ليست من الصيغ العامة
قال الفاضل أكمل الدين سؤال الزَّمَخْشَريّ مبني عَلَى أن المأمور به أولًا ذبح بقرة غير معينة ثم
صار بقرة معينة يرد عليه أن يقال فما فعل الأمر الأول. وهو مذهب طائفة من العلماء وعليه عامة
أهل التَّفْسير ويلزمهم الْقَوْل بالنسخ عَلَى ما ذكره في الْجَوَاب والقائلون بهذا هم الَّذينَ أنكروا جواز