لونها وإنها بقرة لا فارض إلَى البقرة (وإجراء تلك الصفات عَلَى بقرة) متعلق بالإجراء
وصلة عود مطوية (يدل عَلَى أن الْمُرَاد بها معينة) وجه الدلالة هُوَ أن الإجراء الْمَذْكُور إذا
كان عَلَى بقرة مع أن المقام مقام الإضمار يفيد أن المقصود تعيينها وإزالة إبهامها كما هو
شأن الصّفَة بخلاف ما إذا قيل إنها لا فارض ولا بكر ولم يصرح بالبقرة فإنه يحتمل أن
يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق هذا مراد المصنف، ولا يخفى ما فيه كما ستعرفه.
قوله: (ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب) وهو جائز عند أكثر الشَّافعيَّة واختاره
الْمُصَنّف، وأما التأخير عن وقت الحاجة فلا يجوز بالاتفاق ولا يلزم هَاهُنَا لأن الأمر لا
يوجب الأمر فلا يرد إشكال بعض المحشيين. قيل لا خلاف في أن ظَاهر اللَّفْظ في أول
الأمر بقرة مطلقة ولا في أن الامتثال في الآخر إنما وقع بمعينة، وإنما هُوَ الخلاف في أن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
تأخير البيان عن وقت الخطاب، وذهب طائفة إلَى أن المأمور به أولًا ذبح بقرة معينة لكنها لم تكن
معينة وهَؤُلَاء جوزوا تأخيره عن وقته، واستدلوا عَلَى ذلك بهذه الآية من وجوه: منها أن الله تَعَالَى
عينها بعد سؤالهم عن البقرة التي أُمروا بذبحها المتأخّر عن وقت الخطاب بذبحها ولو لم تكن معينة
لم يكن للسؤال والْجَوَاب [الذين] اشتملا عَلَى الضمائر التي لا تستعمل إلا للمعين معنى ومنها أنها لو
لم تكن معينة لكان المأمور به في الآية الثانية غيره في الأولى؛ لأنه فيها بقرة معينة وفي الأولى غيرها
وذلك لا يكون إلا بأمر جديد، ولم يكن بالاتفاق. ومنها أن المأمور بها لو كانت غير معينة لما طابقت
المذبوحة المأمور بها لأنها معينة لكنها كانت مطابقة بدلالة حصول المقصود. وأُجيبوا بأن دعوى
التعيين مخالف للآية من وَجْهَيْن أحدهما تنكير بقرة والثاني تعنيفهم عَلَى طلب البيان بقوله(وما
كادوا يَفْعَلُونَ)وللحديث الذي رواه وهو قوله لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا
فشدد الله عليهم. فأجاب الزَّمَخْشَريّ عن السؤال بقوله: رجع منسوخًا بانتقال الحكم إلَى البقرة
الْمَخْصُوصة. وقوله: والنسخ قبل الْفعْل جائز إشَارَة إلَى دفع ما عسى أن يقال إن الْفعْل لم يقع فَكَيْفَ
يجوز النسخ؟ فكأنه قال الشرط التمكن من الْفعْل والتمكن كان حاصلًا، ومنعه أبو منصور الماتريدي
فإن الْقَوْل بأن المطلق كان مرادًا ثم صار المقيد مرادًا يؤدي إلَى النسخ قبل التمكن من الفعل
والاعتقاد جَميعًا لضيق الزمان عن الاعتقاد إن لا بد للاعتقاد من العلم وما حصل لهم العلم
بالواجب قبل السؤال والبيان؛ ولهذا قَالُو (وَإنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) والنسخ قبل
التمكن من الاعتقاد بداء فلا يمكن حمل الآية عليه بل الأمر في الابتداء في بقرة مقيدة وإن أضيف
إلى المطلقة لكن ظهر ذلك عند سؤالهم لا أنه حدث حكم آخر. والْجَوَاب أنا لا نسلم عدم التمكن
من الاعتقاد والعلم شرط للاعتقاد لا التمكن منه وعدم ضيق الزمان عن التمكن لا يخفى. كيف
وكانوا طلبوا البقرة الْمَوْصُوفة أربعين سنة. إلَى هنا كلامه. أقول: تحقيق هذا المقام أنه إن كان الْمُرَاد
بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد
وهو حاصل؛ إذ قد بين بنص الْقُرْآن المأمور بذبحها بقرة من أفراد البقر كائنًا ما كان وإن كان الْمُرَاد
بها البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حِينَئِذٍ فإن الاعتقاد عَلَى هذا إنما حصل
بعد الاستفسارات فالْقَوْل بالنسخ مبني عَلَى أن يراد ببقرة أن يذبحوا بقرة مطلق البقرة أي بقرة كانت
لوجود شرط النسخ حِينَئِذٍ وعدم الْقَوْل به مبني عَلَى أن يراد بها بقرة معينة لعدم وجود شرط النسخ
حِينَئِذٍ فاخْتلَاف العلماء جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي.