المأمور به في أول الأمر معينة وأخَّر البيان عن وقت الخطاب أو مبهمة لحفاء التَّعْبير إلَى
المعينة لسَبَب كثرة سؤالهم ذهب بعضهم إلَى الأول تمسكًا بأن الضمائر في أنها بقرة كذا
وكذا في السؤال ورجحه الْمُصَنّف خلافًا للزمخشري وذكر تمسك قائله وعبر فيه بالدلالة
وفي الآخر بالزعم.
قوله: (ومن أنكر ذلك) أي جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب(زعم أن الْمُرَاد بها
بقرة من شق البقر)بكسر الشين من جانبها ومن نوعها غير مَخْصُوصة بلا تعيين فإن بيان
غير المعينة يحصل بالإطلاق ولا يكون متأخّرًا عن وقت الخطاب، وأجاب المنكرون عن
تمسك القائل الأول بأنه لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميتا فيحيى ظنوها معينة
خارجة عَمَّا عليه صفة الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة بزعمهم
فعينها الله تَعَالَى تشديدًا عليهم وإن لم تكن من أول الأمر معينة، ويرد عليه أنه حِينَئِذٍ لم تكن
الضمائر عائدة إلَى ما أُمرُوا بذبحها في نفسه الأمر بل إلَى ما اعتقدوها، والظَّاهر من النص
خلافه، والْجَوَاب عنه أن سرد الْكَلَام وإلقاءه عَلَى اعتقاد المخاطب شائع في فصيح الْكَلَام
كقَوْله تَعَالَى: (أَأَمنْتُمْ مَنْ في السَّمَاء) الآية. وهذا مسوق عَلَى اعتقاد
الْمُشْركينَ بأنه تَعَالَى في السَّمَاء عَلَى وجه، وله نظائر كثيرة فما ظنك في رجوع الضمائر عَلَى
اعتقاد المخاطبين والسامعين وأجاب المنكرون أَيْضًا عن الثاني بأنه إنما يتم إذا رفعت هذه
الصفات لكونها صفة البقرة كما هُوَ مذهب الأخفش فإنه قال إذا وصفت النكرة بما دخل
عليه لا كررت، وأما عند الزجاج فهي مرفوعة بإضمار هي فيكون حكمًا جرت عَلَى البقرة
فلا يكون نصًا ولا ظاهرًا في كونها معينة مع أنه يمكن أن يقال: إن ظَاهر اللَّفْظ يدل عَلَى
عدم التعيين لأن البقرة نكرة، وهي تدل عَلَى المطلق كما اعترف به المصنف حيث قال: ويؤيد
الرأي الثاني ظَاهر اللَّفْظ وعود الكنايات وإجراء الصفات عَلَى بقرة ودلالة ذلك عَلَى التعيين
غير مسلمة كَيْفَ وعود الضمائر إلَى المطلق المبهم وإجراء الصفات عليه شائع فدلالة الآية
على التعيين ضعيفة لا تقاوم دلالة النكرة عَلَى عدم التعيين.
قوله: (ثم انقلبت مَخْصُوصة بسؤالهم) فارتفع حكم الأمر الأول وهو كفاية أي فرد
كان وكونهم مخيرين فيه ولهذا قال (ويلزمه النسخ قبل الْفعْل) .
قوله: (فإن التَّخْصِيص) أي التَّقْييد؛ إذ البقرة نكرة في الْإثْبَات فلا يكون عامًا فلا
يتحقق فيه التَّخْصِيص المصطلح عليه وهو قصر العام عَلَى بَعْض ما يتناوله بالمستقل كلامًا
كان أو غيره فمراده التَّقْييد فإنها لكونها نكرة في الْإثْبَات يراد بها فرد ما، فيفيد التخيير بين
أفرادها وحين قيدت بتلك الصفات زال حكم (إبطال التخيير الثابت بالنص) في أول