فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَصَارُوا قِرَدَةً مَمْسُوخِينَ {فَجَعَلْنَاهَا} فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا وَمَسْخَنَا إِيَّاهُمْ {نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِنْ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ" {فَجَعَلْنَاهَا} "
يَعْنِي الْحِيتَانَ"وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ ذِكْرِ الْحِيتَانِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ كَنَّى عَنْ ذِكْرِهَا، وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} ."
وَقَالَ آخَرُونَ: فَجَعَلْنَا الْقَرْيَةَ الَّتِي اعْتَدَى أَهْلُهَا فِي السَّبْتِ. فَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ كِنَايَةٌ عَنْ قَرْيَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ مُسِخُوا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَجَعَلْنَا الْقِرَدَةَ الَّذِينَ مُسِخُوا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، فَجَعَلُوا الْهَاءَ وَالْأَلِفَ كِنَايَةً عَنِ الْقِرَدَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: {فَجَعَلْنَاهَا}
يَعْنِي بِهِ: فَجَعَلْنَا الْأُمَّةَ الَّتِي اعْتَدَتْ فِي السَّبْتِ نَكَالًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَكَالًا} وَالنَّكَالُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَكَّلَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ تَنْكِيلًا وَنَكَالًا، وَأَصْلُ النَّكَالِ: الْعُقُوبَةُ كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعِبَادِيُّ:
[البحر الخفيف]
لَا يَحُطُّ الضَّلِيلُ مَا صَنَعَ الْ ... عَبْدُ وَلَا فِي نَكَالِهِ تَنْكِيرُ
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ