وَأَصْلُ السَّبْتِ الْهُدُوُّ السُّكُونُ فِي رَاحَةٍ وَدَعَةٍ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلنَّائِمِ مَسْبُوتٌ لِهُدُوِّهِ وَسُكُونِ جَسَدِهِ وَاسْتِرَاحَتِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} أَيْ رَاحَةً لِأَجْسَادِكُمْ. وهوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَبَتَ فُلَانٌ يَسْبِتُ سَبْتًا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سُمِّيَ سَبْتًا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَرَغَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ، مِنْ خَلْقِ جَمِيعِ خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أَيْ صِيرُوا كَذَلِكَ
وَالْخَاسِئُ: الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ كَمَا يَخْسَأُ الْكَلْبُ، يُقَالُ مِنْهُ: خَسَأْتُهُ أَخْسَؤُهُ خَسْأً وَخُسُوءًا، وَهُوَ يَخْسَأُ خُسُوءًا، قَالَ: وَيُقَالُ خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ وَانْخَسَأَ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
كَالْكَلْبِ إِنْ قُلْتَ لَهُ اخْسَأِ انْخَسَأَ
يَعْنِي إِنْ طَرَدْتَهُ انْطَرَدَ ذَلِيلًا صَاغِرًا. فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أَيْ مُبْعَدِينَ مِنَ الْخَيْرِ أَذِلَّاءَ صُغَرَاءَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهَا} وَعَلَامَ هِيَ عَائِدَةٌ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا: فَجَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ وَهِيَ الْمَسْخَةَ نَكَالًا"فَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهَا} عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمَسْخَةِ، وَهِيَ فَعْلَةٌ مِنْ مَسَخَهُمُ اللَّهُ مَسْخَةً."