وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ قَوْلٌ لِظَاهِرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ مُخَالِفٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَصْعَقَهُمْ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِمْ ذَلِكَ رَبَّهُمْ وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا الْعِجْلَ، فَجَعَلَ تَوْبَتَهُمْ قَتْلَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَقَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فَابْتَلَاهُمْ بِالتِّيهِ.
فَسَوَاءٌ قَالَ قَائِلٌ: هُمْ لَمْ يَمْسَخْهُمْ قِرَدَةً، وَقَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَآخَرُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْخِلَافِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْأَنْكَالِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ بِهِمْ. وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَقَرَّ بِآخَرَ مِنْهُ، سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى قَوْلِهِ وَعُورِضَ فِيمَا أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ يُسْأَلُ الْفَرْقَ مِنْ خَبَرٍ مُسْتَفِيضٍ أَوْ أَثَرٍ صَحِيحٍ. هَذَا مَعَ خِلَافِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ قَوْلَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْخَطَأُ وَالْكَذِبُ فِيمَا نَقَلَتْهُ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ، وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ إِجْمَاعِهَا عَلَى تَخْطِئَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَقُلْنَا لَهُمْ} أَيْ فَقُلْنَا لِلَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ؛ يَعْنِي فِي يَوْمِ السَّبْتِ.