يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ؛ أَنَّ الْإِسْلَامَ صَارَ فِي مَنْعِهِ إِيَّانَا مَا كُنَّا نَأْتِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ السَّلَاسِلِ الْمُحِيطَةِ بِرِقَابِنَا الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ مَعَ الْغُلِّ الَّذِي فِي يَدِهِ وَبَيْنَ مَا حَاوَلَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ تَرَكْتُمُ الْعَمَلَ بِمَا أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَعُهُودَكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بِجَدٍّ وَاجْتِهَادٍ بَعْدَ إِعْطَائِكُمْ رَبَّكُمُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فِي كِتَابِكُمْ فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ. وَكَنَّى بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ذَلِكَ، عَنْ جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ نَكْثِكُمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ، إِذْ رَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ، بِأَنَّكُمْ تَجْتَهِدُونَ فِي طَاعَتِهِ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي آتَاكُمْ، فَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَرَحْمَتِهِ الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا، وَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ خَطِيئَتَكُمُ الَّتِي رَكِبْتُمُوهَا بِمُرَاجَعَتِكُمْ طَاعَةَ رَبِّكُمْ؛ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.