الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي: وَاذْكُرُوا مَا فِيمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابِنَا مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ شَدِيدٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، فَاتْلُوهُ وَاعْتَبِرُوا بِهِ وَتَدَبَّرُوهُ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كَيْ تَتَّقُوا وَتَخَافُوا عِقَابِي بِإِصْرَارِكُمْ عَلَى ضَلَالِكُمْ فَتَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي وَتَنْزِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} ثُمَّ أَعْرَضْتُمْ.
وَإِنَّمَا هُوَ تَفَعَّلْتُمْ
مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَّانِي فُلَانٌ دُبُرَهُ: إِذَا اسْتَدْبَرَ عَنْهُ وَخَلَّفَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَارِكٍ طَاعَةَ أَمَرَ بِهَا عَزَّ وَجَلَّ مُعْرِضٍ بِوَجْهِهِ، يُقَالُ: قَدْ تَوَلَّى فُلَانٌ عَنْ طَاعَةِ فُلَانٍ، وَتَوَلَّى عَنْ مُوَاصَلَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: خَالَفُوا مَا كَانُوا وَعَدُوا اللَّهَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} وَنَبَذُوا ذَلِكَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ وَوَضْعُهَا مَكَانَ نَظِيرِهَا، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ:
[البحر الطويل]
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ
وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ ... سِوَى الْحَقِّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ