وقال - سبحانه - بِغَيْرِ الْحَقِّ مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا، لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم، وتقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم، أو تأول في الحكم، أو شبهة في الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟
قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به للقتل عندهم».
وقال الإمام الرازي: «فإن قيل: قال هنا وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقال في آل عمران وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فما الفرق؟ قلت. إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل يتجلى في حديث: «لا يحل دم امرئ مسلّم إلا بإحدى ثلاث: «كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك أي حق يستندون إليه، لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة».
ثم قال تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ.
العصيان: الخروج عن طاعة الله. والاعتداء: تجاوز الحد الذي حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. وللمفسرين في مرجع الإشارة «ذلك» رأيان:
أحدهما: أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، وعليه يكون المعنى:
إن هؤلاء اليهود قد مرنوا على عصيانهم لخالقهم، وتعديهم حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله - تعالى - وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة.