والجملة الكريمة على هذا الرأي تفيد أن التردي في المعاصي وارتكاب المناهي، وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها، ومن حقيرها إلى عظيمها، لأن هؤلاء اليهود لما استمرءوا المعاصي وداوموا على تعدى الحدود، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا، فكذبوا بآيات الله تكذيبا وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق.
والثاني: يرى أصحابه أن اسم الإشارة الثاني يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول، وتكون الحكمة في تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه حرصا على معرفته ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم لغضب الله - تعالى -
كما بينا، والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغني عن العطف كما في قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.
والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم لحدودنا.
وعلى هذا الرأي يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من حسن الترتيب، فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته، ثم ثنى بما يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائه، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء، وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق الأحكام، مشفوعة بعللها وأسبابها.
وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بجحود النعم، وسوء الأدب وحمق التفكير، وهوان النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم، وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث في كل زمان ومكان.
وبعد أن بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم الله، وكفرهم بآياته - أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب.
فقال - تعالى -:
[سورة البقرة (2) : آية 62]