ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر في الآية الكريمة، مصر فرعون، قوله تعالى في سورة الشعراء: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ.
وقوله تعالى في سورة الدخان: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ.
قالوا: فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك، وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها، ثم لا ينتفعون بها، ولا يكونون منتفعين إلا بمصير بعضهم إليها قال ابن جرير: «ومن حجة من قال إن الله - تعالى - إنما عنى بقوله: اهْبِطُوا مِصْراً أي: مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله - تعالى - جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه. بامتناعهم عن موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ .. إلى قوله تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة. ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع «يوشع بن نون» بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا أن الله - تعالى - قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا: فإن احتج محتج بقوله تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ؟ قيل لهم: فإن الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها. ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام» اهـ.
قال أبو حيان في البحر: (ولم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر) اهـ.