قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة: «أى قال لهم موسى: أتاخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك، ومعنى قوله: أَدْنى أخس واضع وأصغر قدرا وخطرا، وأصله من قولهم: هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنى في الأمور - بغير همز - إذا كان يتتبع خسيسها. ثم قال: ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى:
البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه».
ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخا آخر فقال لهم: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أي إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتركوا هذا المكان، وانزلوا إلى مصر من الأمصار، لكي تجدوا ما سألتمونى إياه من البقل والثوم وأشباههما، لأن ما اخترتموه لا يوجد في المكان الذي حللتم به، وإنما يوجد في الأمصار والقرى.
وقوله تعالى: مِصْراً.
قال ابن كثير: «هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأثمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف» .
وقال ابن جرير: «فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين اهْبِطُوا مِصْراً وهي القراءة التي
لا يجوز عندي غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك .. » اهـ.
وقال أبو حيان في البحر: «وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب (مصر) بغير تنوين، وقد وردت كذلك في مصحف أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود، وبعض مصاحف عثمان - رضي الله عنه» اهـ.
والمعنى على القراءة الأولى: اهبطوا مصرا من الأمصار لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش.
والمعنى على القراءة الثانية: اتركوا المكان الذي أنتم فيه، واهبطوا مصر التي كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية، ولا ترتاحون للفضائل النفسية، بل شأنكم - دائما - أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.