ومع أن ابن جرير - رحمه الله - قد رد على من قال، إن المراد بالمصر مصر فرعون: استنادا إلى قراءة غير الجمهور، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال: (والذي نقول به في ذلك، أنه لا دلالة في كتاب الله - تعالى - على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقطع مجيئه العذر، وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطى قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه الله - تعالى - في كتابه وهم في الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت ما سأل لهم من ذلك، إذا صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشام ... ».
ومن هذا النص الذي نقلناه عن ابن جرير، نرى أنه لم يقطع برأى في المكان الذي أمر بنو إسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله - تعالى - قد استجاب لموسى - عليه السلام - دعاءه، وأن موسى وقومه قد هبطوا - فعلا - إلى قرار من الأرض التي تنبت البقول وأشباهها.
وقد عارض الإمام ابن كثير في تفسيره رأى ابن جرير فقال:
وهذا الذي قاله - أي ابن جرير - فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روي عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك، لأن موسى - عليه السلام - يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوى مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم.
وبذلك يظهر لنا أن ابن كثير - رحمه الله - يرى أن المراد بالمصر مكان غير معين وأن موسى - عليه السلام - لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين. بطرين، والله - تعالى - يكره من كان كذلك، وأن قول موسى - عليه السلام - لهم «اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم» من باب التوبيخ والتجهيل لهم، إذ ليس حينئذ بلد قريب يستطيعون الوصول إليه.