{فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين} الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها، أو الفضل والرحمة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدراكهم لمدته، فالخطاب على الأول جار على سنن الخطابات السابقة مجازاً باعتبار الأسلاف وعلى الثاني جار على الحقيقة، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه، والمراد لكنتم مغبونين هالكين بالانهماك فِي المعاصي، أو بالخبط فِي مهاوي الضلال عند الفترة، وكلمة لولا إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية وتقدم الكلام عليها، وحرف النفي والاسم الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده، والتقدير ولولا فضل الله ورحمته حاصلان، ولا يجوز أن يكون الجواب خبراً لكونه فِي الأغلب خالياً عن العائد إلى المبتدأ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل الله تعالى الخ، و {لَكُنتُم} جواب لولا ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجباً، وقيل: إنه لازم إلا فِي الضرورة كقوله:
لولا الحياء ولولا الدين عبتكم ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى
وجاء فِي كلامهم بعد اللام قد، كقوله:
لولا الأمير ولولا خوف طاعته ... لقد شربت وما أحلى من العسل
وقد جاء أيضاً حذف اللام وإبقاء قد نحو لولا زيد قد أكرمتك ولم يجئ فِي القرآن مثبتاً إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 4 2] جواب لولا قدم عليها. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 281 - 282}
[فائدة]
قال الفخر:
لقائل أن يقول كلمة {لَوْلاَ} تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى.
وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل فِي الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده فِي العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن:"لولا"تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 101}