{مَآ آتَيْنَاكُم} أعطيناكم.
{بِقُوَّةٍ} أي بِجد واجتهاد ؛ قاله ابن عباس وقتادة والسدّي.
وقيل: بنيّةٍ وإخلاص.
مجاهد: القوّة العمل بما فيه.
وقيل: بقوّة ، بكثرة درس.
{واذكروا مَا فِيهِ} أي تدبّروه واحفظوا أوامره ووعيده ، ولا تنسوه ولا تضيّعوه.
قلت: هذا هو المقصود من الكُتب ، العملُ بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها ؛ فإن ذلك نَبْذٌ لها ؛ على ما قاله الشعبي وابن عُيَيْنة ؛ وسيأتي قولهما عند قوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [البقرة: 101] .
وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ مِن شرّ الناس رجلاً فاسقاً يقرأ القرآن لا يَرْعَوِي إلى شيء منه"فبّين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بيّنا.
وقال مالك: قد يقرأ القرآنَ مَن لا خير فيه.
فما لزم إذاً مَن قبلنا وأُخذ عليهم لازمٌ لنا وواجبٌ علينا.
قال الله تعالى: {واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الزمر: 55] .
فأُمِرنا باتّباع كتابه والعمل بمقتضاه ؛ لكن تركنا ذلك ، كما تركت اليهود والنصارى ، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئاً ؛ لغلبة الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء.
روى الترمذيّ عن جُبَيْر بن نُفَيْر"عن أبي الدّرداء قال:"كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال:"هذا أوانٌ يُختلس فيه العلمُ من الناس حتى لا يقدرِوا منه على شيء".
فقال زياد بن لَبِيد الأنصاريّ: كيف يُختلس منا وقد قرأنا القرآن! فوالله لَنقْرَأنه ولنُقرِئنّه نساءنا وأبناءنا.
فقال:"ثَكِلَتْك أمُّك يا زياد إن كنتُ لأعُدّك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تُغني عنهم""وذكر الحديث ، وسيأتي."