والأدنى: هو الأقرب منزلة والأدون مقدارا، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار، والخير في الآية هو الأرفع والأجل، ومصرا في الآية منكرة أي: أي مصر من الأمصار يوجد فيه ما سألتم، والذلة الهوان، والمسكنة: الاستكانة فاليهود أذلاء وأهل مسكنة من طبيعتهم التصاغر والتفاقر ومعنى «باءوا بغضب من الله» أي صاروا أحقاء بغضبه - أو حقوا على رأي الكسائي وباء معناها رجع.
يقول تعالى في الآية: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما
طيبا هنيئا نافعا سهلا، واذكروا ضجركم مما رزقناكم، وسؤالكم استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها. فكان جواب موسى: أن هذا الذي سألتم ليس بأمر
عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، هذا الذي ذكره المفسرون. ولكني ألمح مع التأنيب الإباحة، أخذا من السياق الذي يعدد النعم فكأنهم مع نزولهم عن المقام الأعلى أبيح لهم أن يحصلوا على مثل هذه الأشياء بالنزول إلى الأمصار المجاورة لهم في رحلة التيه، وبهذا يكون قد انتهى تعداد النعم ثم بعد ذلك يذكر الله عزّ وجل ما عوقبوا به بعد موسى بكثير.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ. ثم علل جل جلاله لهذه العقوبة: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. فالكفر بالآيات وقتل الأنبياء والعصيان والاعتداء، هي سبب استحقاقهم للذلة والمسكنة والغضب من الله بعد سير تاريخي طويل، وبعد إنعام كثير وبعد تفضيل الله إياهم على عالم زمانهم.