إنها عقوبة تأتي بعد فترة من المرحلة التي قص الله علينا من أنباء الإنعام عليهم، ولكنه جل جلاله وهو يقص علينا من أنبائهم في المرحلة الأولى، هيأ أذهاننا لنصل إلى هذه النتيجة من خلال ما رأيناه من تعنتهم في الطلب وتحريفهم للأمر، وظلمهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وذلك كله في العصر الأول، إن بذور الأخلاق الفاسدة الكبرى التي أدت إلى عقوبتهم النهائية كانت موجودة عند بعضهم حتى في العصر الأول عصر موسى ويوشع. عليهما السلام.
ثم تأتي آية أخيرة في الفقرة:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
من المعلوم أن الأمة كلها لا تقع في المعصية بل يبقى أفراد ملتزمون مطيعون وهم لما يفعله الآخرون كارهون ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، هؤلاء ما محلهم في أمتهم؟ ما حظهم من العقوبة الدنيوية والأخروية؟ مع أنهم يقومون بحق الله، إن هذه الآية تأتي لتقرر أن فضل الله عزّ وجل سابغ على أمثال هؤلاء في كل أمة من الأمم، فهم بمنجاة من العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية والذين هادوا هم: اليهود، والنصارى هم من
نصروا المسيح وللمفسرين في الصابئين اتجاهان، الاتجاه الأول: أنهم قوم بأعيانهم تجد بقاياهم الآن في العراق يعبدون النجوم والملائكة، والاتجاه الثاني: أنهم كل من فارق الباطل إلى الله ولا يعرف ما هو الدين الصحيح، وذهب بعض العلماء أنهم الذين لم تبلغهم دعوة نبي ولم يدخلوا في عبادة غير الله.
ويجب أن يكون واضحا أن المقصود بهؤلاء من المذكورين إنما هم المؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا والعاملون بدين الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً.