وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ وَسَتْرُهُ، وَأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ: حُجَجُهُ وَأَعْلَامُهُ وَأَدِلَّتُهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْحَدُونَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَتَصْدِيقَ رُسُلِهِ وَيَدْفَعُونَ حَقِّيَّتَهَا، وَيُكَذِّبُونَ بِهَا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وَيَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ ابْتَعَثَهُمْ لِإِنْبَاءِ مَا أَرْسَلَهُمْ بِهِ عَنْهُ لِمَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ.
وَهُمْ جِمَاعٌ وَاحِدُهُمْ نَبِيٌّ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ، لِأَنَّهُ مَنْ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ، فَهُوَ يُنْبِئُ عَنْهُ إِنْبَاءً، وَإِنَّمَا الِاسْمُ مِنْهُ مُنْبِئٌ وَلَكِنَّهُ صُرِفَ وَهُوَ مُفْعِلٍ إِلَى فَعِيلٌ، كَمَا صُرِفَ سَمِيعٌ إِلَى فَعِيلٍ مِنْ مُفْعِلٍ، وَبَصِيرٌ مِنْ مُبْصِرٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَأَبْدَلَ مَكَانَ الْهَمْزَةِ مِنَ النَّبِيءِ الْيَاءَ، فَقِيلَ نَبِيٌّ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمُ: النَّبِيُّ وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ. لِأَنَّهُمَا مَأْخُوذَانِ مِنَ النَّبْوَةِ، وَهِيَ مِثْلُ النَّجْوَةِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ أَصْلَ النَّبِيِّ الطَّرِيقُ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ الْقُطَامِيِّ:
[البحر البسيط]
لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِهَا ... مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْحِ مُنْسَحِلُ