ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {مِصْرًا} فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: {مِصْرًا} بِتَنْوِينِ الْمِصْرِ وَإِجْرَائِهِ؛ وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَحَذْفِ الْأَلْفِ مِنْهُ. فَأَمَّا الَّذِينَ نَوَّنُوهُ وَأَجْرُوهُ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ لَا مِصْرًا بِعَيْنِهِ، فَتَأْوِيلُهُ عَلَى قِرَاءَتِهِمُ: اهْبِطُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّكُمْ فِي الْبَدْوِ، وَالَّذِي طَلَبْتُمْ لَا يَكُونُ فِي الْبَوَادِي وَالْفَيَافِي، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، فَإِنَّ لَكُمْ إِذَا هَبَطْتُمُوهُ مَا سَأَلْتُمْ مِنَ الْعَيْشِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ
مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: اهْبِطُوا مِصْرًا الْبَلْدَةَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ وَهِيَ مِصْرُ الَّتِي خَرَجُوا عَنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَجْرَاهَا وَنَوَّنَهَا اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ فِي الْمُصْحَفِ أَلِفًا ثَابِتَةً فِي مِصْرَ، فَيَكُونُ سَبِيلُ قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ سَبِيلَ مَنْ قَرَأَ: (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةِ) مُنَوَّنَةً اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ.
وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُنَوِّنْ مِصْرَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى مِصْرَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ بِعَيْنِهَا دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ غَيْرِهَا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ
فَعَنْ قَتَادَةَ:" {اهْبِطُوا مِصْرًا} أَيْ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} "
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مِصْرُ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِرْعَوْنُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}