وَمَنْ نَطَقَ بِهَذِهِ اللُّغَةِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: عَثَوْتُ أَعْثُو، وَمَنْ نَطَقَ بِاللُّغَةِ الْأُولَى، قَالَ: عَثَيْتُ أَعْثِي، وَالْأُخْرَى مِنْهُمَا عَاثٍ يَعِيثُ عَيْثًا وَعُيُوثًا وَعِيثَانًا، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَمِنَ الْعَيْثِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ ... مُصَدِّقٌ أَوْ تَاجِرٌ مُقَاعِثُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَاثَ فِينَا: أَفْسَدَ فِينَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) }
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى الصَّبْرِ، وَأَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ الشَّيْءِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: وَاذْكُرُوا إِذْ قُلْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَنْ نُطِيقَ حَبْسَ أَنْفُسِنَا عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ الطَّعَامُ الْوَاحِدُ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَطْعَمَهُمُوهُ فِي تِيهِهِمْ وَهُوَ السَّلْوَى فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَفِي قَوْلِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ هُوَ الْخُبْزُ النَّقِيُّ مَعَ اللَّحْمِ، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنَ الْبَقْلِ وَالْقِثَّاءِ. وَمَا سَمَّى اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ مُوسَى.