وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اسْتَغْنَى بِذِكْرِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْهُ عَنْ ذِكْرِهِ مَا تَرَكَ ذِكْرَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} فَضَرَبَهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَكْلِ مَا رَزَقَهُمْ فِي التِّيهِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَبِشُرْبِ مَا فَجَّرَ لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ الْمُتَعَاوِرِ الَّذِي لَا قَرَارِ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا لِمَالِكِيهِ، يَتَدَفَّقُ بِعُيُونِ الْمَاءِ وَيَزْخَرُ بِيَنَابِيعِ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ بِقُدْرَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَيْهِمْ مَعَ إِبَاحَتِهِمْ مَا أَبَاحَ وَإِنْعَامِهِ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَيْشِ الْهَنِيءِ، بِالنَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَالْعَثَا فِيهَا اسْتِكْبَارًا، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَعْثَوْا} لَا تَطْغَوْا، وَلَا تَسْعَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
وَأَصْلُ الْعَثَا شِدَّةُ الْإِفْسَادِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ الْإِفْسَادِ. يُقَالُ مِنْهُ: عَثَى فُلَانٌ فِي الْأَرْضِ: إِذَا تَجَاوَزَ فِي الْإِفْسَادِ إِلَى غَايَتِهِ، يَعْثَى عَثًا مَقْصُورٌ، وَلِلْجَمَاعَةِ: هُمْ يَعْثُونَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ: إِحْدَاهُمَا عَثَا يَعْثُو عُثُوًّا؛ وَمَنْ قَرَأَهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَضُمَّ الثَّاءَ مِنْ يَعْثُو، وَلَا نَعْلَمُ قَارِئًا يُقْتَدَى بِقِرَاءَتِهِ قَرَأَ بِهِ.