والمعنى: أي قال لهم موسى منكرا عليهم ويحكم: أتريدون استبدال الطعام الذي هو أخسّ، من البقل، والقثاء، والفوم، والبصل، عن الطعام الذي هو أنفس، وأفضل، وأعلى، الذي هو المن والسلوى، فإنه خير في اللذة، والنفع، وعدم الحاجة إلى السعي، فدعا موسى فاستجبنا له وقلنا لهم: {اهْبِطُوا مِصْرًا} ؛ أي: انحدروا واخرجوا من التيه، وانزلوا إن كنتم تريدون هذه الأشياء مصرا من الأمصار، وانزلوا بلدة من البلدان؛ لأنكم في البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون، وإنما يوجد ذلك في الأمصار والبلدان، وليس المراد هنا مصر فرعون؛ لقوله تعالى: {يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} وإذا وجب عليهم دخول تلك الأرض، فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الأظهر. وقيل: مصر فرعون الذي خرجتم منه، وصرفه حينئذ مع وجود السبيين، وهما: العلمية والتأنيث المعنوي لإرادة البلد، أو لسكون وسطه، كنوح، ولوط، وفيها العجمة والتعريف، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه - وعبارة «الروح» هنا: والمصر: البلد العظيم من مصر الشيء يمصره؛ أي: قطعه سمي به؛ لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة، وقد تسمى القرية مصرا، كما تسمى المصر قرية، وهو ينصرف ولا ينصرف، فصرف ههنا؛ لأن المراد به غير معين. وقيل:
أريد به مصر فرعون، وإنما صرف؛ لسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح؛ أو لتأويله بالبلد دون المدينة، فلم يوجد فيه غير العلمية. انتهى. قال أبو حيان:
فتلخّص من قراءة التنوين أن يكون مصرا غير معين لا من الشام ولا من غيره، أو مصرا غير معين من أمصار الشام، أو معينا وهو بيت المقدس، أو مصر فرعون، فهذه أربعة أقوال. انتهى.