قال ابن العربي: فإن قيل: وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خَلفاً عن سلف إلى زمان عمرو ؟ قلنا: نعم كذلك كان ؛ لأن اليهود غيّروا الرجم فأراد الله أن يقيمه فِي مُسُوخهم حتى يكون أبلغ فِي الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيّروه ، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم ، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يُسِرّون وما يُعلنون ، ويُحصي ما يُبدّلون وما يغيّرون ، ويُقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون ، وينصر نبيّه عليه السلام وهم لا يُنصرون.
قلت: هذا كلامه فِي الأحكام ، ولا حجة فِي شيء منه.
وأمّا ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي فِي جمع الصحيحين: حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأَوْديّ فِي الصحيحين حكايةً من رواية حُصين عنه قال: رأيت فِي الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم.
كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر فِي أي موضع أخرجه البخاريّ من كتابه ؛ فبحثنا عن ذلك فوجدناه فِي بعض النسخ لا فِي كلها ؛ فذكر فِي كتاب أيام الجاهلية.
وليس فِي رواية النعيميّ عن الفَرَبْرِيّ أصلاً شيء من هذا الخبر فِي القِردة ؛ ولعلها من المُقْحَمات فِي كتاب البخاري.
والذي قال البخاريّ فِي التاريخ الكبير: قال لي نُعيم بن حمّاد أخبرنا هُشَيم عن أبي بَلْج وحُصين عن عمرو بن مَيمون قال: رأيت فِي الجاهلية قِردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم.
وليس فيه"قد زنت".
فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاريّ دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يُبال بظنّه الذي ظنّه فِي الجاهلية.
وذكر أبو عمر فِي الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد اللَّه"معدود فِي كبار التابعين من الكوفيين ، وهو الذي رأى الرجم فِي الجاهلية من القردة إن صح ذلك ؛ لأنّ رواته مجهولون."
وقد ذكره البخاريّ عن نُعيم عن هُشَيم عن حُصين عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيّ مختصراً قال: رأيت فِي الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة فرجمتها معهم.