{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} أي جعل ذلك محيطاً بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين ، و (ضربت) استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم ، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين ، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يَد وهم صاغرون ، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم ، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه فِي اليهود اليوم ، وهذا الضرب مجازاة لهم على كفران تلك النعمة ، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها ، وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود ، وشامل للمخاطبين ، بقوله تعالى: {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم
{وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله} أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم فِي الدنيا ، أو بما تحقق لهم من العذاب فِي العقبى ؛ أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما أو رجعوا بغضب أي صار عليهم ، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه ، أو صاروا أحقاء به ، أو استحقوا العذاب بسببه وهو بعيد وأصل البواء بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل فِي كل مساواة فيقال: هو بواء فلان أي كفؤه ، ومنه بؤ لشسع نعل كليب وحديث:
"فليتبوأ مقعده من النار"وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم.