{ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق} أشار بذلك إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم ، وإنما بَعّدهُ لبعد بعضه حتى لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد ، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب ، أو للإيماء إلى بعدها فِي الفظاعة ، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤل ولم يعبر به ، وعبر بما عبر تنبيهاً على تجدد الكفر والقتل منهم حيناً بعد حين واستمرارهم عليهما فيما مضى ، أو لاستحضار قبيح صنعهم ، و (الآيات) إما المعجزات مطلقاً أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام ، أو ما جاء به من التسع وغيرها ، أو آيات الكتب المتلوة مطلقاً ، أو التوراة أو آيات منها كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو التي فيها الرجم أو القرآن ، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم ، وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم ، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه كالمنشأ له ، وأتى بالنبيين الظاهر فِي القلة دون الأنبياء الظاهر فِي الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما (أل) فيتساويان كما فِي"البحر"فلا يرد أنهم قتلوا ثلثمائة نبي فِي أول النهار ، وأقاموا سوقهم فِي آخره ، وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقداً حقية قتل أحد منهم عليهم السلام ، وإنما حملهم عليه حب الدنيا ، واتباع الهوى والغلو فِي العصيان ، والاعتداء فاللام فِي الحق على هذا للعهد ، وقيل: الأظهر أنها للجنس ، والمراد بغير حق أصلاً إذ لام الجنس المبهم كالنكرة ، ويؤيده ما فِي آل عمران (12)