وَأَمَّا الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: {فَجَعَلْنَاهَا}
يَعْنِي الْحِيتَانَ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ فِي الِانْتِزَاعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَيُقَالُ: {فَجَعَلْنَاهَا}
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى لِلْحِيتَانِ ذِكْرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُكَنِّي عَنِ الِاسْمِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتْرَكَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولُ بِهِ ظَاهِرٌ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ وَلَا فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا خَلْفَهَا، فَيَنْظُرُ إِلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ وَمَا خَلْفَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَوْعِظَةً}
وَالْمَوْعِظَةُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَعَظْتُ الرَّجُلَ أَعِظُهُ وَعْظًا وَمَوْعِظَةً: إِذَا ذَكَرْتُهُ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، وَتَذْكِرَةً لِلْمُتَّقِينَ، لِيَتَّعِظُوا بِهَا، وَيَعْتَبِرُوا، وَيَتَذَكَّرُوا بِهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِلْمُتَّقِينَ} وَأَمَّا الْمُتَّقُونَ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} يَقُولُ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي."
فَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنْ عُقُوبَتِهِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً وَعِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 2/} "