وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُ: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا كَذَا وَكَذَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا، لِأَنَّ مِنْ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ لِمَا بَعْدَهَا، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنْ ذِكْرِ التَّبْعِيضِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا بِدُخُولِهَا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الَّذِي هِيَ فِيهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحَ الْيَوْمَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنَ الطَّعَامِ يُرِيدُ شَيْئًا مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ) هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ وَالْإِسْقَاطِ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: يُخْرِجْ لَنَا مَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا. وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ، بِمَعْنَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا، وَبُقُولِ اللَّهِ: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} وَبِقَوْلِهِمْ: قَدْ كَانَ مِنْ حَدِيثٍ، فَخَلِّ عَنِّي حَتَّى أَذْهَبَ، يُرِيدُونَ: قَدْ كَانَ حَدِيثٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَمَاعَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَادَّعَوْا أَنَّ دُخُولَهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ فِيهِ مُؤْذِنٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَرِيدٌ لِبَعْضِ مَا أُدْخِلَتْ فِيهِ لَا جَمِيعِهِ، وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَمْرِ مَنْ ذَكَرْنَا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا بَعْضَ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا.
وَالْبَقْلُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ، هُوَ مَا قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَبِّهَا.
وَأَمَّا الْفُومُ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ