{فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين} القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الاسم قياساً على فعول ، وقليلاً على فعلة ، والخسو الصغار والذلة ويكون متعدياً ولازماً ، ومنه قولهم للكلب: اخسأ وقيل: الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بَعُدَ ، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالابعاد ؛ فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد ، وإلا لكان الخاسئ بمعنى الطارد ، والتحقيق أنه معتبر فِي المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول ، وكذلك الابعاد فالخاسئ الصاغر المبعد المطرود ، وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة ، وعلى ذلك جمهور المفسرين وهو الصحيح وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام ، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا فِي اليوم الثامن ، واختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشوا وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير أهي مما مسخ ؟
"إن الله تعالى لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك"وروى ابن جرير عن مجاهد"أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظاً ولا تعي زجراً"فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى...
فكن (حجراً) من يابس الصخر جلمداً
و {كُونُواْ} على الأول: ليس بأمر حقيقة ، لأن صيرورتهم ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم ، بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث.