{قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا؟ فأجيب بذلك، والاتخاذ كالتصيير، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و {هُزُواً} مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ فِي الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف كمكان، أو أهل أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر} [المائدة: 6 9] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبيهم حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام.
ومن الناس من قال: كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا، وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد لا على وجه الإنكار والعناد وقرأ عاصم وابن محيصن {يتخذنا} بالياء على أن الضمير لله تعالى.