وغلب إطلاق الاعتداء على مخالفة الحق وظلم الناس والمراد هنا اعتداء الأمر الشرعي لأن الأمر الشرعي يشبَّه بالحد فِي أنه يؤخذ بما شمله ولا يؤخذ بما وراءه والاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر الله تعالى إياهم من عهد موسى بأن يحافظوا على حكم السبت وعدم الاكتساب فيه ليتفرغوا فيه للعبادة بقلب خالص من الشغل بالدنيا ، فكانت طائفة من سكان أَيلة على البحر رأوا تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطئ لأنها إذا لم تر سفن الصيادين وشباكهم أمنت فتقدمت إلى الشاطئ تفتح أفواهها فِي الماء لابتلاع ما يكون على الشواطئ من آثار الطعام ومن صغير الحيتان وغيرها فقالوا لو حفرنا لها حياضاً وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لهذا الحرص على الرزق أو لأنهم يشغلون بالهم يوم السبت بالفكر فيما تحصّل لهم أو لأنهم تحيلوا على اعتياض العمل فِي السبت ، وهذا الذي أحسبه لما اقترن به من الاستخفاف واعتقادهم أنهم علموا ما لم تهتد إليه شريعتهم فعاقبهم الله تعالى بماذكره هنا.
فقوله: {في السبت} يجوز أن تكون (فِي) للظرفية.
والسبت مصدر سَبَتَ اليهودي من باب ضرب ونصر بمعنى احترم السبت وعظمه.
والمعنى اعتدوا فِي حال تعظيم السبت أو فِي زمن تعظيم السبت.
ويجوز أن تكون (فِي) للعلة أي اعتدوا اعتداء لأجل ما أوجبه احترام السبت من قطع العمل.
ولعل تحريم الصيد فيه ليكون أمناً للدواب.
ويجوز أن تكون (فِي) ظرفية والسبت بمعنى اليوم وإنما جعل الاعتداء فيه مع أن الحفر فِي يوم الجمعة لأن أثره الذي ترتب عليه العصيان وهو دخول الحيتان للحياض يقع فِي يوم السبت.