تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 683
كفاية، وهو قول الشّعبي، فإن لم يوجد إلا واحد، وجب عليه ذلك، وقيل: هو على النّدب، والاستحباب، وذلك؛ لأن اللّه تعالى لمّا علمه الكتابة، وشرّفه بها، استحبّ له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم، ويشكر تلك النعمة التي أنعم اللّه بها عليه، وهو المعتمد، ودليل ذلك: أنه يجوز له أن يتقاضى أجرا على كتابته، ولو كانت واجبة؛ لا يجوز له أخذ الأجرة عليها.
هذا؛ ويَأْبَ: من الإباء، وهو الامتناع، أو أشدّه، وإباء اللّه: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في سورة (التّوبة) رقم [32] : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. ويكون متعدّيا إن كان بمعنى: كره، ولازما إن كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمّن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا ... إلخ. هذا؛ وأبى، يأبى من الباب الثالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلا قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى.
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ أي: يلقي الذي عليه الحق، ويقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحقّ، فيذكر قدره، وجنسه، وصفة الأجل، ونحو ذلك. والإملال، والإملاء: لغتان فصيحتان معناهما واحد، تقول: أمللت، وأمليت. وجاء القرآن باللّغتين. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي: وليخف ربّه في إملائه على الكاتب. وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا أي: ولا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا في الإملاء، فيكون جحودا لبعض حقّه.
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أي: جاهلا بالإملاء، وقيل: هو الطفل الصغير. وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى: السفيه: هو المبذر، المفسد لماله، ودينه. هذا، والسّفه: سخافة العقل. ومن ركب متن الباطل كان سفيها، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه، والسّفيه. وانظر (سفه) في الآية رقم [130] . أَوْ ضَعِيفًا: صبيّا، أو شيخا عاجزا. هذا؛ والبذيء اللسان يسمى: سفيها؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهّال الناس، وأصحاب، العقول الخفيفة، والعرب تطلق السّفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، قال الشاعر: [السريع]
نخاف أن تسفه أحلامنا ... وَيجهل الدّهر مع الحالم
وقال ذو الرّمّة: [الطويل]
مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أي: لا يقدر على الإملاء لخرس، أو جهل باللغة، أو لعيّه، أو جهله بأداء الكلام، أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب، أو يجهل بما له، أو عليه، فهؤلاء كلّهم لا يصحّ إقرارهم وإملاؤهم، فلا بدّ من أن يقوم غيرهم مقامهم، وهو قوله تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ أي: ولي كلّ واحد من هؤلاء المحجور عليهم؛ لأنّه يقوم مقامه في صحة الإقرار،