تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 335
اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة بعدها صلتها، وهي مبتدأ، والخبر جملة: فَقَدْ جَعَلْنا ...
إلخ وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم. فَلا: الفاء: هي الفصيحة. (لا) : ناهية. يُسْرِفْ: مضارع مجزوم بها، والفاعل يعود إلى الولي.
فِي الْقَتْلِ: متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير:
وإذا كان ذلك حاصلا للولي؛ فلا يسرف، والجملة الاسمية: إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا لا محل لها؛ لأنها تعليل للنهي، والكلام وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ... إلخ معترض بين المتعاطفين.
[سورة الإسراء (17) : آية 34]
الشرح: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ أي: فضلا عن أن تتصرفوا فيه بالأكل والاستيلاء عليه. وانظر الآية [32] . إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: إلا بالطريقة التي هي أحسن، وهي صلاحه وتثميره، وتحصيل الربح له، وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيا غير محتاج إليه، فلو كان الوصي، أو القيم فقيرا، فله أن يأكل بالمعروف. قال تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ: فقد اختلف في الأشد على أقوال كثيرة، والمراد: بالأشد في هذه الآية وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ هذا؛ وتخصيص اليتيم بالذكر بالنهي عن أكل ماله، مع أن حال البالغ وماله كذلك؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه، ولعظم إثمه، ولأن البالغ يستطيع الدفاع عن ماله ما أمكنه؛ لذا فقد عد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أكل مال اليتيم من السبع الموبقات. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول اللّه! وما هنّ؟"
قال:"الشّرك باللّه، والسّحر، وقتل النّفس التي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وعن أبي برزة- رضي اللّه عنه-: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا". فقيل من هم يا رسول اللّه؟! قال:"ألم تر أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا". رواه أبو يعلى، وهذه الآية هي رقم [10] من سورة (النساء) ، انظرها، ففيها بحث جيد يسرّك.
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ أي: بما عاهدكم اللّه به من تكاليفه، وأوامره، ونواهيه، أو ما عاهدتموه عليه، وقطعتموه على أنفسكم من نذر، ونحوه، أو عاهدتم أحدا من الناس. وانظر الآية رقم [22] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي: مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه، ويفي به، أو مسؤولا عنه، يسأل الناقض للعهد، ويعاقب عليه، أو يسأل