تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 4، ص: 162
بأصحابه من ثنيات الوداع بعد ما خرجوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحرب قريش. وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي: دبروا لك المكايد، والحيل، ورددوا الآراء في إبطال أمرك، وتفريق أصحابك عنك، حَتَّى جاءَ الْحَقُ أي: التأييد والنصر الإلهي، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ: علا دين اللّه وانتصر. وَهُمْ كارِهُونَ: لما منّ اللّه به عليك من النصر المظفر، والعزة والسيادة، ورفعة الشأن، وعلو القدر فدخلوا في الإسلام ظاهرا، هذا؛ وفي الآية وسابقتها كشف لأسرار المنافقين، وهتك لأسرارهم، وما فيهما وما يذكر في غيرهما هو الذي جعل سورة (التوبة) جديرة بأن تسمى بالأسماء التي رأيتها في أولها، هذا؛ والفتنة تطلق على الشر والفساد، وعلى الشرك، وعلى الاختبار والابتلاء والامتحان مما رأيته سابقا.
الإعراب: لَقَدِ: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: واللّه، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، ويقال: اللام لام الابتداء. (قد) : حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ابْتَغَوُا: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. الْفِتْنَةَ: مفعول به. مِنْ قَبْلُ: متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة:
لَقَدِ ابْتَغَوُا ... إلخ: لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام، وجملة: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، حَتَّى: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة تقديرا: جاءَ الْحَقُ: فعل وفاعل، وَ «أن» المضمرة والفعل جاءَ في تأويل مصدر في محل جر ب حَتَّى، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف؛ إذ التقدير: واستمروا على تقليب الأمور. أي: على خبثهم ومكرهم إلى مجيء أمر اللّه، وجملة: وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ: معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في الغاية حكما، والجملة الاسمية: وَهُمْ كارِهُونَ: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
[سورة التوبة (9) : آية 49]
الشرح: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي: من المنافقين من يقول: ائذن لي في القعود عن الجهاد، والتخلف عن الخروج معك، وَلا تَفْتِنِّي أي: ولا توقعني في الفتنة، أي:
العصيان والمخالفة، وفيه إشعار بأنه متخلف لا محالة، أذن له، أم لم يؤذن، أو بالفتنة بنساء الروم، لما روي أن الجد بن قيس أخي بني سلمى قال للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، حين قال له: «يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء؟!» . فقال: يا رسول اللّه لقد عرف قومي:
أني رجل مغرم بحب النساء، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي