تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 139
[سورة المائدة (5) : آية 54]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54)
الشرح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [1] من هذه السّورة. مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ: من يرجع عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر؛ فلن يضرّ اللّه شيئا، وإنّما يضرّ نفسه برجوعه عن الدّين الحق. ففيه دليل على نبوّة سيد الخلق، وحبيب الحقّ؛ حيث أخبر القرآن بأمور لم تكن، فكانت، فقد ارتدّ عن الإسلام من العرب في أواخر عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث فرق: بنو مدلج في اليمن؛ حيث تنبّأ فيهم الأسود العنسي، وكان يلقب بذي الحمار، وكان كاهنا، فكان يقول للحمار سر، فيسير، قف؛ فيقف، وقد أخزاه اللّه، فقتل قبل وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بليلة، وأخبر المسلمين بقتله، وكان فيروز الدّيلمي- رضي اللّه عنه- بيّته، وقتله.
وبنو حنيفة: حيث تنبّأ فيهم مسيلمة الكذاب، وقد أخزاه اللّه، فقتل بخلافة الصدّيق- رضي اللّه عنه-، وكان الذي باشر قتله وحشيّ قاتل الحمزة- رضي اللّه عنه-، فكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، وأرجو أن تكون هذه بهذه. وارتدّ بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة؛ التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري: [البسيط]
أمّت سجاح ووافاها مسيلمة ... كذّابة من بني الدّنيا وكذّاب
وكانت شريفة، فلمّا تزوّجها؛ سلمت له، فاتّبعه قومها، وهم بنو حنيفة، وقال الشّاعر فيهما: [الوافر]
مسيلمة اليمامة كان أدهى ... وَأكذب حيث سار إلى سجاح
ليمدح قومه بأبي رباح ... وَفاز وردّ مقصوص الجناح
وفيهما يقول قيس بن عاصم- رضي اللّه عنه-: [البسيط]
أضحت نبيّتنا أنثى نساء بها ... وَأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا
فلعنة اللّه والأقوام كلّهم ... على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذّاب لا سقيت ... أصداؤه ماء المزن حيثما كانا
ثمّ لما قتل مسيلمة تابت سجاح، وحسن إسلامها.