تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 274
[سورة النحل (16) : آية 112]
الشرح: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي: جعل اللّه القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم اللّه عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا، وتولوا، فأنزل اللّه بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة؛ أي: على سبيل الفرض والتقدير، هذه صفتها، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها اللّه مثلا لمكة، إنذارا من مثل عاقبتها، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد دعا على مشركي مكة.
وقال:"اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف". فابتلوا بالقحط؛ حتى أكلوا الجيف، والحشرات.
كانَتْ آمِنَةً أي: ذات أمن، لا يخاف أهلها من مداهمة عدوّ عليهم. مُطْمَئِنَّةً: قارة بأهلها لا ينتقلون عنها كما كان العرب ينتقلون من مكان إلى مكان طلبا للماء والكلأ.
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي: يحمل إليها الرزق من جميع النواحي، من البر والبحر، كقوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وذلك بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام، وهو قوله:
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ فَكَفَرَتْ أي: القرية، والمراد: أهلها جحدوا نعم اللّه عليهم.
بِأَنْعُمِ اللَّهِ: جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو هو جمع نعم كبؤس، وأبؤس، والمراد: جميع النعم؛ التي أنعم اللّه بها على أهل مكة، وانظر الآية رقم [121] الآتية لتعرف أنه جمع قلة. وقيل: هذا الكفران هو: تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
فَأَذاقَهَا اللَّهُ أي: أذاق أهلها. لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ: فقد استعار الإذاقة لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم، واشتمل عليهم من الجوع، والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير: [الكامل]
غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال
فإنه استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء، لما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف، والنوال، لا وصف الرداء، نظرا إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار، كقول الشاعر: [الوافر]
ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشّطر الذي ملكت يميني ... وَدونك فاعتجر منه بشطر