تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 37
[سورة البقرة (2) : آية 5]
الشرح: أُولئِكَ: الإشارة إلى الذين وصفوا بالآيتين السّابقتين بالصفات الحميدة، والأعمال المجيدة، هذا؛ وأُولئِكَ جمع: ذلك، وقد يجمع على أولالك، وأنشد ابن السكيت: [الطويل]
أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وَهل يعظ الضّلّيل إلا أولالكا؟!
وأُولئِكَ لجماعة العقلاء، وربما جاء في غير العقلاء، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وهو الشاهد رقم [80] من كتابنا: «فتح رب البرية» : [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... وَالعيش بعد أولئك الأيّام
وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [36] : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. هذا؛ وقد قال العلماء: إنّ في قوله تعالى: مِنْ رَبِّهِمْ ردّا على القدرية، والمعتزلة، والإمامية في قولهم: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه- تعالى اللّه عن قولهم- ولو كان كما قالوا؛ لقال: «من أنفسهم» وقد تقدم الكلام فيه، وفي الهدى. انتهى القرطبي. هذا وفي قوله تعالى: عَلى هُدىً استعارة تبعية بالحرف، أي: تمكّنوا من الهداية التامة، ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكّن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت «على» من جزئي من جزيئات المشبّه به لجزئي من جزيئات المشبّه على طريق الاستعارة التّصريحية التّبعيّة.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: الفائزون برضا اللّه، الناجون من غضبه، وعقابه، فهو جمع اسم فاعل، من: أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده، وأصله، «مؤفلح» فعل فيه ما فعل بما قبله، وتكرّر اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل الذي خصّهم اللّه به، ومنحهم إياه، هذا وَ «الفلح» أصله في اللغة: الشقّ، والقطع، ومنه فلاحة الأرضين؛ أي: شقها للحرث، ولذلك سمي الأكّار فلاحا، ويقال للذي شقّت شفته السفلي، أو العليا: أفلح، والفلاح: البقاء، والدوام، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية الجهلاء: [الرجز]
لكلّ همّ من الهموم سعه ... وَالمسي والصّبح لا فلاح معه
يقول: ليس مع كر اللّيل والنهار بقاء، وقال آخر: [الطويل]
نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا ... وَنرجوا الفلاح بعد عاد وحمير