تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 317
للإعراب، لا مبرر له، وجملة: «اجعل من ذريتنا» معطوفة على الجملة السابقة، فهي داخلة في المقول، (أرنا) : فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. وَ (نا) : مفعول به أول. مَناسِكَنا: مفعول به ثان. وَ (نا) :
في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وكذلك جملة: وَتُبْ عَلَيْنا معطوفة أيضا. إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ انظر الآية السابقة، فهي مثلها بلا فارق.
تنبيه: بالإضافة لما ذكرته في سورة (إبراهيم) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام أذكر هنا ما يلي: ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسّلام، وقبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمس سنين، وقد نقل معهم الحجارة، وله صلّى اللّه عليه وسلّم من العمر خمس وثلاثون سنة.
قال محمّد ابن اسحاق في السيرة: ولمّا بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة، وكانوا يهابون هدمها، وقد كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها، وتسقيفها، وذلك: أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكّة رجل قبطيّ نجّار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها.
وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة، فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك:
أنها كانت لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (ارتفعت، واشتدّت للوثوب) وكشّت، وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما تتشرّق على جدار الكعبة ذات يوم، كما كانت تصنع؛ بعث اللّه إليها طائرا، فاختطفها، وذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون اللّه قد رضي ما أردنا (أي: من هدم الكعبة وبنائها) عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا اللّه الحيّة، فلمّا أجمعوا أمرهم في هدمها، وبنائها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيه مهر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
[سورة البقرة (2) : آية 129]
الشرح: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد روى خالد بن معدان- رضي اللّه عنه- أن نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا: يا رسول اللّه! أخبرنا عن نفسك، قال: «نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى» . وروى الإمام أحمد، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّي عند اللّه لخاتم النّبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمّي الّتي رأت، وكذلك أمهات النبيّين يرين» . هذا؛ وبشارة