تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 36
[سورة القصص (28) : آية 23]
الشرح: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ: وصل موسى إلى الماء، وهو بئر لأهل مدين كانوا يسقون منها، ووروده الماء معناه: أنه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود تكون بمعنى الدخول في المورود، وبمعنى الاطلاع عليه؛ والبلوغ إليه؛ وإن لم يدخل، ومنه قول زهير في معلقته:
رقم [14] . [الطويل]
فلمّا وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
وَجَدَ عَلَيْهِ أي: قريبا من الماء، أو وجد فوق شفير البئر. أُمَّةً: جماعة كثيرة العدد.
يَسْقُونَ: مواشيهم الماء. هذا؛ وأمة بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ والأمة:
الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ* وبها فسرت الآية رقم [92] من سورة (الأنبياء) . وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وَهل يأثمن ذو أمّة، وهو طائع؟
وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ. والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي: بعد وقت وحين.
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ أي: في مكان أسفل من مكانهم، وقبل أن يصل إلى الجماعة المحتشدين على الماء. امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ: تحبسان أغنامهما من الماء؛ لئلا تختلط بأغنامهم.
قال سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره: [الطويل]
أبيت على باب القوافي كأنّما ... أذود به سربا من الوحش نزّعا
أي: أحبس، وأمنع. وقيل: تذودان: تطردان. قال جرير يهجو الفرزدق: [الوافر]
لقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأيّ عصا تذود؟
أي: تطرد، وتكف. قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: تذودان أغنامهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء. وقيل: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء. قالَ ما خَطْبُكُما أي: