تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 447
[سورة البقرة (2) : آية 191]
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191)
الشرح: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: حيث وجدتموهم، فهو مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [5] : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ بل هذه أعمّ، والأولى أخصّ، لذا قيل:
هذه ناسخة لتلك. هذا؛ والثقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء، علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف، ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناول من الأمور، قال الشاعر: [الوافر]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي: أخرجوكم من مكّة كما فعلوا بكم، وقد تمّ ذلك بفضل اللّه عام الفتح. وَالْفِتْنَةُ فسر بالشرك، والأولى تفسيرها بالمحنة؛ التي يفتن بها الإنسان، كالتعذيب، والإخراج من الوطن أعظم من القتل؛ لدوام تعبها، وتألم النفس بها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لقتل بحدّ السّيف أهون موقعا ... على النّفس من قتل بحدّ فراق
تقتلوهم، يقتلوكم، قتلوكم: هذه الأفعال الثلاثة تقرأ بالألف، وبدونها، ولا يتغيّر معناها، ولا إعرابها. وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ ... إلخ: جاء في الصحيحين من قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم:
«إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، ولم يحلّ إلّا ساعة من نهار- وإنّها ساعتي هذه- فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فقولوا: إنّ اللّه أذن لرسوله، ولم يأذن لكم» . يعني بذلك صلّى اللّه عليه وسلّم: قتاله أهله يوم فتح مكّة. هذا؛ ونصّ الآية الكريمة: أنه لا يجوز قتال الكافر حتّى يقاتل في الحرم، ولكن الآية الآتية: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ عمّمت القتال. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ: أي: مثل ذلك جزاؤهم، يفعل بهم مثل ما فعلوا بكم، والجزاء من جنس العمل.
الإعراب: وَاقْتُلُوهُمْ: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية، معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها. حَيْثُ: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، مبني على الضم في محل نصب. ثَقِفْتُمُوهُمْ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذّكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: حَيْثُ إليها، وجملة: