تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 222
من الإعراب، أو هي معطوفة على الجمل السابقة الواقعة حالا. ويبعده: أن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يقع حالا.
[سورة البقرة (2) : آية 78]
الشرح: لمّا ذكر اللّه تعالى علماء السوء من اليهود الّذين حرفوا، وبدّلوا؛ ذكر العوام الذين قلّدوهم، وبيّن: أنّهم في الضلال، والمآل سواء، فقال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي: ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام لا يعرفون القراءة، والكتابة؛ ليطلعوا على ما فيها بأنفسهم، ويتحقّقوا بما فيها. أُمِّيُّونَ جمع: أمّي، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في حق نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأولين والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [156] من سورة (الأعراف) ، والحمد للّه! وأمّيّ منسوب إلى الأم التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأنّ الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّا أمّة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا ... » الحديث. أو منسوب إلى الأمة؛ لأنها ساذجة قبل أن تعرف المعارف، والمراد بالكتاب: التوراة.
إِلَّا أَمانِيَ أي: أكاذيب، جمع: أمنيّة بتشديد الياء وتخفيفها فيها، قال أبو حاتم رحمه اللّه تعالى: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد؛ فلك فيه التشديد، والتخفيف مثل: أثافي، وأغاني، أماني، ونحوه، وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى تمنيا، أي:
كذب، ومنه قول عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه-: ما تمنيت منذ أسلمت! أي: ما كذبت!.
أو هي جمع أمنية من التمنّي، وهو: طلب محبوب لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، أو بعيد الوقوع، وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى: ترجيا، وعليه فالأماني التي يتمنّاها سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة من أنّ الجنّة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء اللّه، وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة.
هذا؛ والأماني جمع: أمنية بمعنى التلاوة، والقراءة، وأصلها: أمنوية، على وزن: أفعولة، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمّة النون كسرة لمناسبة الياء، فصارت أمنية.
والمعنى: أن سفلة اليهود لا يقرؤون التّوراة إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى. هذا؛ وَ «تمنى» بمعنى: قرأ، وقيل به في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآية رقم [52] من سورة (الحج) ، أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد للّه! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه-: [الطويل]