تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 372
سمع صوت زمارة، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول: نعم، فمضى؛ حتى قلت له: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال:
رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم!. انتهى. قرطبي.
الإعراب: وَاسْتَفْزِزْ: أمر، وفاعله، مستتر، تقديره:"أنت". مَنِ: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. اسْتَطَعْتَ: فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المتصل في المفعول المقدر. مِنْهُمْ: متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على (من) ، وَ (من) بيان لما أبهم في (من) هذا؛ وقال أبو البقاء: (من) استفهام في موضع نصب ب: اسْتَطَعْتَ، ولا يؤيده المعنى. تأمل. بِصَوْتِكَ: متعلقان بالفعل (استفزز) وجملة: وَاسْتَفْزِزْ ... إلخ معطوفة على جملة: اذْهَبْ ... إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: وَأَجْلِبْ ... إلخ معطوفة أيضا، والجار والمجرور عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ متعلقان بما قبلهما. وَرَجِلِكَ: معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: وَشارِكْهُمْ إلخ معطوفة أيضا. وَعِدْهُمْ: أمر، وفاعله مستتر تقديره:"أنت"والهاء مفعول به، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، والجملة معطوفة أيضا. وَما: الواو: واو الحال. (ما) : نافية. يَعِدُهُمُ: مضارع، والهاء مفعول به أول. الشَّيْطانُ: فاعل. إِلَّا: حرف حصر. غُرُورًا: مفعول به ثان على التوسع، أو هو نعت مصدر محذوف، التقدير: إلا وعدا غرورا، أو هو مفعول لأجله؛ أي: ما يعدهم المواعيد الكاذبة إلا لأجل الغرور. وجملة: وَما يَعِدُهُمُ ... إلخ معترضة لبيان مواعيده الباطلة بين الجمل التي خاطب اللّه بها الشيطان، أو هي في محل نصب حال، والأول: أقوى.
[سورة الإسراء (17) : آية 65]
الشرح: إِنَّ عِبادِي ... إلخ: أي: إن عبادي المؤمنين المخلصين لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة من غير أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصة اللّه الذين هداهم، واجتابهم من عباده. وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أي: حافظا لعباده المؤمنين من وساوس الشياطين، فهو سبحانه يحفظهم من كيدهم، ويعصمهم من إغوائهم، وإضلالهم. وفي الآية دليل على أنّ المعصوم من عصمه اللّه، وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه، ولا قوة على طاعته إلا بقوته.
فائدة: ذكر اليافعي عن الشاذلي: أن ممّا يعين على دفع وسوسة الشيطان: أنك عند وسوسته لك تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب: وتقول: سبحان الملك