تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 288
مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وانظر الآية السابقة.
[سورة آل عمران (3) : آية 159]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
الشرح: فَبِما: (ما) زائدة وتسمى في القرآن صلة، وهناك من يقول: إنّها غير زائدة، وهي نكرة موصوفة. وحجّة من يقول هذا تنزيه كلام اللّه تعالى من الزيادة، وعليه ذهب أبو بكر الزبيدي وغيره، وهذا فيه نظر؛ لأنّ القائلين بكون هذا زائدا لا يعنون أنّه يجوز سقوطه، ولا أنه مهمل، ولا معنى له، بل يقولون: إنّه زائد للتّوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن. انتهى جمل بتصرف.
أقول: زيادة (ما) ظاهرة في قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [155] : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ... إلخ، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [40] : قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ وانظر موجز القول في (ما) وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي: فبسبب رحمة اللّه: أودعها اللّه في قلبك يا محمد! كنت هينا لينا مع أصحابك؛ مع أنهم خالفوا أمرك، وعصوك. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ: الفظّ:
الغليظ الجافي، والأنثى فظّة، والجمع: أفظاظ، قال الشاعر في ممدوحه: [الطويل]
ليس بفظّ في الأدانيّ والألى ... يؤمّون جدواه ولكنّه سهل
وفظّ على أعدائه يحذرونه ... فسطوته حتف ونائله جزل
وغلظ القلب عبارة عن تجهّم الوجه، وقلّة الانفعال في الرّغائب، وقلّة الإشفاق، والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط]
يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ: لتفرّقوا عنك، ونفروا منك، ومن قول أبي النّجم، يصف إبلا: [الرجز]
مستعجلات القيض غير جرد ... ينفضّ عنهنّ الحصى بالصّمد
والمعنى: ولو كنت سيئ الكلام، والأخلاق، قاسي القلب، والطباع؛ لانفضّوا عنك، وتركوك، ولكن اللّه حسّن أخلاقك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنه-: إنّي أرى صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة: «إنّه ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي السّيّئةّ بالسّيّئة، ولكن يعفو، ويصفح» .