تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 77
عِنْدَها رِزْقًا في محل نصب حال من زكريا، والمعنى لا يؤيده. كما أغرب أبو البقاء، فقال:
ويجوز أن يكون التقدير: فقال، فحذف الفاء. وهو تكلّف لا داعي له أيضا.
قالَتْ: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مَرْيَمُ هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، مِنْ عِنْدِ: متعلقان بمحذوف خبره، وعِنْدِ مضاف، واللَّهِ: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: قالَتْ ... إلخ مستأنفة لا محل لها. إِنَّ: حرف مشبه بالفعل. اللَّهِ: اسمها. يَرْزُقُ: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: اللَّهِ. مِنْ: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو: شيئا يشاؤه رزقا واسعا. بِغَيْرِ حِسابٍ: بِغَيْرِ: متعلقان ب «واسعا» الذي قدرته لك. وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول؛ لأن الفعل يَرْزُقُ ينصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: يعطي، ويمنح، وقد نصبهما، والثاني منهما: رِزْقًا الذي قدرته، والجملة الاسمية: إِنَّ اللَّهَ ... إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كانت من كلام مريم عليهاالسّلام، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام اللّه تعالى.
[سورة آل عمران (3) : آية 38]
الشرح: هُنالِكَ: في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم، أو في ذلك الوقت. فقد يستعار: هنا، وحيث، وثمّ للزّمان، وإن كان الأصل فيهنّ للمكان. ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وقال في سورة (الكهف) : هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ ومثلها في سورة (الأعراف) ، وَ (الفرقان) ، وَ (الأحزاب) وسورة (ص) وَ (غافر) . ولمّا رأى زكريا، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وعلم: أنّ القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته قد انقرضوا؛ سأل اللّه الولد، وكان ذلك في جوف اللّيل لمّا دخل محرابه للصّلاة، والعبادة.
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي: نسلا صالحا، مباركا، تقيّا، رضيّا. وإنما قال: طَيِّبَةً لتأنيث لفظ الذرية، كقول الشاعر: [الوافر]
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وَأنت خليفة ذاك الكمال
فأنّث «ولدته» لتأنيث لفظ الخليفة، وروي من حديث أنس- رضي اللّه عنه- قال، قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «أيّ رجل مات، وترك ذريّة طيّبة؛ أجرى اللّه له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا» . إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ: سامعه، ومجيبه.